جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب- الجزء الأخير

تأليف : محمد خير الوادي .
عندما عاد سالم الى دمشق ،كانت الاخبار عن " المرأة الشقراء التي حاول ضمها الى صدره " قد سبقته ، ووصلت الى "عمه" سامر ابي زوجته .ولذلك قابلته زوجته سعاد بغضب ، وصرخت في وجهه :
- لم تعلمني انك ستبقى اسبوعا اضافيا في" الموسكو تبعك "،هل اعجيتك العاهرات الشقراوت هناك ؟ يا لك من خائن نذل.
صدم سالم من لهجة زوجته الحادة وتطاولها عليه ، وقرر طردها من البيت. لم يعد قادرا على تحمل تفاهاتها وسلوكها الاستفزازي ، واسلوب حياتها الراكد الباذخ .
- اسمعي – خاطبها سالم بصوت غاضب – انا تأخرت في موسكو لان لدي ابن هناك ، هل فهمت ؟
ابن في موسكو – صرخت سعاد – من اين لك ابن وانت لم تسافر الى هناك منذ تزوجتك ؟ ام انه جاء بالمراسلة وكبُر خلال هذين الاسبوعيين ؟
-
- عمره الآن خمسة عشر عاما ، وحدث ذلك قبل ان اتزوج بك ،وانا لم أكن اعلم بذلك . رد سالم بحزم . واضاف : - انت عاقر ، وقد اخفقت محاولاتنا -كلها لمعالجة الامر ، والان صار عندي ابن ، وانا لن اتخلى عنه ابدا .
اجهشت سعاد بالبكاء ، فقد كانت هذه الكلمات بمثابة سهام حادة اصابتها في الصميم وادمت روحها ، وارتد غضبها عليه الما لا يطاق .فهي تعرف ذلك كله وعانت منه ، وتدرك أيضا ، ان سالم بقي معها فقط لانه يستغل نفوذ ابيها . صمتت سعاد ، وجففت دموعها ، وخرجت ، وهي تشعر بالانكسار، الى بيت ابيها .وفهم سالم ، ان زوجته لن تعود مرة أخرى ، وان أوقاتا صعبة تنتظره مع والدها . قرر سالم الذهاب الى بيت ابيه .وهناك اخبر امه ان لديه ولد في موسكو . لم تتمالك الام نفسها من الفرح ،واطلقت زغرودة طويلة ، اعادتها مرات ومرات ، وتحلقت حولها الجارات ،واعلمتهن بالخبر . لا بل انها وزعت الحلوى على القاصي والداني في الحارة . ارادت ام سالم من تصرفها هذا ، اغاضة كنتها وتفنيد ادعاءاتها وشائعاتها ، من ان سالم عقيم ، وانه السبب في عدم انجاب الأولاد. خرج غسان والد سالم من غرفته عندما سمع هذه الجلبة والزغاريد ، ورأى حشدا من النساء في صحن الدار . استفسر عن الامر ، واخبرته زوجته قائلة :
- صار عندك حفيد يا ابي سالم .
وزغردت. بعد احالته على التقاعد قبل سنتين .تغير ابو سالم ، فهو قد اصبح اكثر هدوءا ،ولم يعد يتدخل في كل شاردة وواردة من شؤون البيت . آلمته الوحده ، وشعر انه لم يعد مهما كما كان ، لكن اكثر ما أزعجه هو صمت هاتفه الذي كان لا يتوقف جرسه عن الرنين ،وشعر بوطأة التقاعد والبطالة بعد اربعين عاما من الحياة العامة النشطة . في ظرفه الجديد ، بدأ ابو سالم يعيد النظر في كثير من الامور والاشخاص ومنهم علاقته بابي سعاد ، لا بل انه أسرً ذات مرة لزوجته انه اكتشف ،ان والد سعاد يحمي الفاسدين ويستفيد منهم ولذلك خاب أمله فيه . واردف غسان قائلا:
- ثم ان سعاد ابنته فقدت مكانتها الاثيرة عندي ، لا لأنها عاقر ، فهذا من صنع الله ، ولا راد لارادة الله ، وانما لانها انانية ، أهملت بيتها وزوجها ،وتقضي جل أوقاتها في زيارات صديقاتها ،وغير ودودة تجاهنا ولا تراعي وضعنا الاجتماعي بلباسها الفاضح ،وتدخن على الملأ مثل الرجال . وواصل ابو سالم الافصاح عن مكنونات صدره لزوجته :
- كما خاب أملي من سالم ايضا .فهو قد صار عبدا لمنصبه. صحيح ان ابي سعاد ساعده في الصعود الى السطح ، ولكن ابننا لم يستثمر ذلك لاثبات وجوده ،ولاقناع الآخرين باهليته ، بل استمرأ الجلوس على الكرسي ، وطأطأ راسه اكثر من اللازم. وانهى ابو سالم حديثه قائلا: لقد بات ابنك رجلا بالغا ، وعليه بعد اليوم حل مشكلاته بنفسه.لقد اخطأت بحقه مرة عندما فرضت سعاد عليه ، ولن أخطأ مرة أخرى .
ولذلك ،كان رد فعل ابي سالم على قالته زوجته متحفظا . ومع ذلك تساءل:
- من اين جاء هذا الحفيد ؟ وهل كانت لسالم علاقات نسائية اثناء الدراسة ؟ ولماذا لم يخبره بذلك؟ وماذا سيكون رد فعل سعاد وابيها ؟
في هذه الاثناء ،ركضت عفاف ،اخت سالم الصغرى ، واخبرت ابيها ان والد سعاد قد اتصل به عدة مرات، وهو على الخط الان .وناولته سماعة الهاتف . تلكأ الرجل عن عمد في تناول السماعة ،وأشار لابنته بالابتعاد . اراد ابوسالم اعطاء نفسه فسحة من الوقت للحديث مع ابنه أولا ، وللتفكير بما سيقول. بعد ساعة اتصل مع ابي سعاد .وجرى بينهما حديث صعب وساخن استمر نصف ساعة .وختم ابو سعاد كلامه غاضبا :
- لقد ارتكب ابنك فعلا شنيعا ، فهو قد خان زوجته وأهانني شخصيا ،ولن ادع الامر يمر ببساطة.
- لقد حدث ذلك قبل الزواج ، والان هناك ابن له - رد ابو سالم بهدوء – وأرجو ان لا نصعد الامور ، وندعهم يعالجونها بانفسهم دون تدخل منا.
لكن ابا سعاد واصل صراخه وتهديده ،وعندها قاطعه غسان قائلا:
- افعل ما يحلو لك. واغلق سماعة الهاتف .
بعد عدة أيام ، حضر الى مكتب سالم محام ارسله والد سعاد .وقدم نفسه على انه وكيل زوجته ، وانه جاء ليبدأ اجراءات الطلاق . لم يكن الامر مفاجأ لسالم ، وأدرك ان علاقته مع والد زوجته قد انتهت ، وان عليه تدبير اوضاعه بنفسه من الآن فصاعد .طلب سالم مهلة للتفكير ، فهمها المحامي على انها محاولة لاملاء شروطه . لم يكن الزوج يفكر قبلا بذلك ،ولكنه سُر لوجود هذه الفرصة ،واراد استثمارها . وقال للمحامي :
- لا أريد مالا ، وانما ارغب في ان يتعهد والدها بالابتعاد عني وعدم ايذائي جسديا ووظيفيا . رد المحامي:
- انه شرط يستحيل تنفيذه ،فانت تعرف وزن والدها في البلد .فكيف سأطلب منه ذلك ؟انصحك انت بالابتعاد عنه ، فهذا اسهل . - بهذه الحالة ، لن اطلق. رد سالم بحزم .
- ساخبره بذلك . قال المحامي وخرج .
غضب والد سعاد لدى سماعه اقوال المحامي ، وصرخ :
- كيف لهذا الصرصور ان يفرض شروطا علي انا ؟
- يا سيدي – اجاب المحامي بهدوء - في هذه الحالة لن يوقع ،واجراءات الطلاق لن تكون قانونية دون ذلك .
فكر ابو سعاد مليا باقتراح المحامي ، وأدرك انه لا مناص من تنفيذه . فهو لا يريد بعد اليوم ان يقترن اسمه بسالم او ان يكون حاميا له . كتب والد سعاد تعهدا بعدم الحاق الاذى بصهره السابق .بدوره ، كان سالم يدرك ، ان هذا التعهد لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به ، ولكنه اراد ، اول مرة ،ان يفرض ما يريد على ولي نعمته السابق ، وشعر بلذة وراحة نفسية لا حدود لهما. فهو قد فاز في أول مواجهة ليست هينة يخوضها مع خصم ذي نفوذ كبير .وقد عزز هذا " النصر" ثقته بنفسه وبقدرته على مواجهة التحديات بمفرده دون اعتماد على آخرين، واعتبر سالم ان هذه بمثابة ولادة جديدة له . فهو قد بات سيد نفسه ، وصاحب القرار بكل ما يخص حياته . بعد ان تم الطلاق ، صار سالم يكثر من زياراته لبيت والديه ، ويهتم بهما ، ويتناول بشهية أكلات والدته .وفي احد المرات ، سألت الام سالم:
- متى سيأتي ابنك ، وهل ستأتي ناتاشا معه الى دمشق ، فانت بت حرا ؟
-
لا أدري- اجاب سالم – بحيرة – فالامور معقدة . اكيد سيأتي سالم ابني وستزورنا أمه .وانا شخصيا ارغب في ذلك ، ولكن هذه الامور ليست سهلة
- ومتى كانت الحياة سهلة – عقبت امه باستغراب – لن أدعك تعيش وحيدا دون اسرة وحب ، فالحياة دون حب تشبه نهرا جف ماؤه وفقد مجراه .
تمشى سالم قليلا في صحن الدار ،وأدرك ان والدته محقة ، ولكنه لم تكن لديه اجوبة على اسئلة كثيرة داهمته :
- هل ناتاشا لا تزال مستعدة - كما قالت له قبل خمسة عشر عاما- للعيش معه في دمشق ؟
وكيف سيعالج وضع ابنه الدراسي ؟
وما هومصيره الوظيفي بعد صدامه مع ابي سعاد ؟
تذكرسالم مقولة سمعها ذات مرة ، من ان الزمن هو خير طبيب لمداواة امراض الحياة كلها . وريثما يتم ذلك ، فان جسده سيبقى في دمشق ، بينما قلبه وروحه في موسكو . فهناك ابنه الوحيد، الذي لايغيب عن باله ، وفي تلك المدينة تعيش المرأة التي سلبت قلبه .وعزى نفسه قائلا:
- موسكو ليست بعيدة ، ومن الان فصاعد ، فان طرقي كلها تنتهي هناك .
انتهت الرواية 1/6/2018


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة