جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
العرب واليابان: نظرة مستقبلية

شهدت اليابان قبل أيام تغييراً تاريخياً نادر الحدوث على مدار تاريخها الطويل والعريق، ألا وهو تنحي الإمبراطور أكيهيتو بإرادته الحرة وطبقاً لقراره المتخذ منذ قبل نحو عام، وذلك بعد ثلاثة عقود من توليه هذا المنصب عقب وفاة سلفه الإمبراطور هيروهيتو، وذلك لمصلحة نجله الأكبر، الإمبراطور الجديد ناروهيتو وزوجته الإمبراطورة الجديدة ماساكو، مع بقاء الإمبراطور الأب أكيهيتو متمتعاً بلقب "الإمبراطور الشرفي" والإمبراطورة الأم ميتشيكو متمتعة بلقب "الإمبراطورة الشرفية". ومن الصحيح أن منصب الإمبراطور في اليابان له دلالات رمزية وروحية ومراسمية ترتبط بهوية الأمة اليابانية وبتاريخ الشعب الياباني أكثر بكثير مما له من دلالات سياسية فعلية، ولكن يبقى التأريخ لأي حقبة في تاريخ اليابان مرتبطاً دائماً بتولي إمبراطور جديد مقاليد الحكم، وهو الأمر الذي من شأنه أن يسمح بالتوقف لمراجعة علاقات اليابان مع هذا الجزء أو ذاك من العالم ووضع تصورات مستقبلية لهذه العلاقات على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل. وفي هذا السياق، تتاح لنا هنا فرصة التوقف والتأمل والنظر، من منظور مستقبلي، في العلاقات اليابانية - العربية، وهي مكون مهم منذ عقود طويلة من الصورة البانورامية العامة لعلاقات اليابان مع العالم الخارجي، ولهذه العلاقات اليابانية - العربية على مدار تاريخها الطويل الذي يمتد لأكثر من قرن ونصف قرن من الزمان، وفي ضوء مخزون تراكمي من هذه العلاقات في مختلف الميادين، العديد من الخصوصيات والسمات المميزة لها، والتي صارت بدورها تمثل علامات بارزة لها مدلولات مهمة على مسيرة هذه العلاقات. والواقع أن حالة من الإعجاب المتبادل، وإن كان لمراحل تاريخية مختلفة، قد تطورت بين العرب واليابانيين منذ عقود طويلة، ومن بدء التفاعل بين الطرفين على مستوى التبادل الشعبي في الأزمنة الحديثة، وتحديداً منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة. فقد تبدت مظاهر لإعجاب اليابانيين بحضارات قديمة لبلدان عربية منذ تعرف اليابانيون، بعد انفتاحهم على العالم الخارجي في نهايات فترة حكم "الإدو" في بدايات العقد السابع من القرن التاسع عشر، على حضارات العالم القديم الأخرى، بما اشتمل على بلدان مثل مصر والعراق وسورية ولبنان وتونس وغيرها من بلدان عربية أخرى، إضافة إلى التعرف على عطاء الحضارة العربية الإسلامية. ونظراً لأن الشعب الياباني ذاته هو صاحب حضارة قديمة فكان من الطبيعي أن يظهر هذا الإعجاب من جانبهم بعطاء وبصمات باقية لحضارات قديمة أخرى، وعلى الجانب الآخر، أظهر العرب في التاريخ الحديث والمعاصر في مناسبات كثيرة إعجاباً بالغاً بإرادة اليابانيين وقدرتهم على تحدي الكثير من الأهوال والمخاطر والتغلب عليها والوصول إلى المسار الذي بدأت اليابان وشعبها في السير عليه، خاصة منذ ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى رغم ما واجهته من دمار شامل وهزيمة كاملة بحلول نهاية تلك الحرب، إلى أن وصلت اليابان إلى ما هي عليه الآن من كونها لاعباً عالمياً رئيساً في الكثير من المجالات، خاصة في المجالات المتصلة بالاقتصاد والعلوم والبحث العلمي والتطور التكنولوجي، إضافة إلى مجالات متنوعة ومتعددة من الفنون والرياضة والآداب والكثير من أوجه الثقافة والفكر والمعرفة. وقد تولدت وتطورت على مدار العقود والسنين العديد من الآليات والترتيبات التي رعت تقدم العلاقات بين العرب واليابانيين في العديد من ميادين الاهتمامات والأنشطة الإنسانية، وقننتها ووضعت الأطر العامة لنموها وأوجدت السياقات القادرة على العناية بتلك العلاقات والانتقال بها من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدماً على مدى مسيرة طويلة من بلورة مصالح مشتركة جمعت ولا تزال تجمع بين الطرفين، إضافة إلى اكتشاف مجموعة من القيم المشتركة بين الجانبين تكونت وانتشرت عبر تاريخ طويل لدي كل منهما. وإذا كانت هذه العلاقات بين الطرفين وصلت إلى الحالة المتقدمة التي وصلت إليها اليوم في العديد من المجالات، فإنها تبقى مطالبة بالأخذ في الاعتبار عند حساب أو تقدير مسارات وخيارات المستقبل، ليس فقط مخزون الماضي، على ثرائه وتنوعه، وليس فقط المصالح الآنية، ولكن أيضاً، وربما هذا هو الأهم، المعطيات التي نراها أو على الأقل نرى بعض إرهاصاتها اليوم، والتي ستحكم وتوجه مسار حركة العالم بأسره في السنوات والعقود القادمة. ومن هذه المعطيات التداخل فيما بين مختلف ميادين المعارف والعلوم، وانتقال ذلك من السياق النظري إلى السياق العملي ممثلاً في النشأة والتطور السريع لعدد من التخصصات في الجامعات والمعاهد التعليمية العليا المختلفة، ثم إلى الحديث عن تخصصات في العمل والنشاط الإنساني بشكل عام، والنشاط الاقتصادي بشكل أكثر خصوصية، لم تكن موجودة من قبل، بل ومن المتوقع طبقاً لمختلف تقديرات مراكز البحوث والدراسات في البلدان المتقدمة أن تتضاعف تلك الوظائف الجديدة، وبالمقابل فمن المتوقع أن تختفي بعض الوظائف الموجودة حالياً، وكذلك بعض التخصصات العلمية والأكاديمية الراهنة، ويقدرها البعض بأكثر من 50 في المئة من التخصصات والوظائف الموجودة حالياً في سوق العمل. كذلك فإن الثورة المتواصلة والمتصاعدة والمتضاعفة في مجالات العلوم والتكنولوجيا تفرض تحديات بالقدر نفسه الذي تفتح به فرصاً أمام العرب في مستقبل التعاون مع اليابان في مجالات التعليم والبحث العلمي وأنشطة التطوير التكنولوجي، إلا أن التركيز هنا لا يجب أن يكون فقط على سعي الأطراف العربية للحصول على مساعدات يابانية، مادية أو فنية، أو الحصول فقط على نقل التكنولوجيا وتشجيع تدفقات حركة الاستثمار الياباني إلى المنطقة العربية المرتبطة بنقل المعرفة والتقنية العالية، مع أهمية هذه الاعتبارات جميعها، ولكن يتعين أيضاً السعي لبناء شراكات مستدامة، أو على الأقل طويلة المدى، بين الجامعات ومراكز الأبحاث العربية مع مثيلاتها اليابانية بغرض البحوث المشتركة في الموضوعات والمجالات ذات الأهمية والأولوية للأطراف العربية، خصوصا تلك الميادين التي حقق فيها اليابانيون طفرة كبرى ونقلة نوعية والتي تهم العرب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة ومعالجة النفايات وإدارة المخلفات وتحلية المياه وإعادة معالجة المياه المستخدمة بغرض إعادة تدويرها واستخدامها من جديد. وإذا عددنا مجالات التطور التكنولوجي المتسارع والمؤثر بشكل متزايد في مختلف مجالات الحياة والنشاط الإنساني اليوم وفي المستقبل القريب والمتوسط والبعيد على حد سواء، نجد من أهمها اليوم موضوعات الذكاء الاصطناعي، وما يرتبط بها من موضوعات ذات صلة، سواء من جهة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أ من جهة التأثير على سوق العمل وهيكلها وبنيتها، أم من جهة البصمة على زيادة الإنتاجية والإنتاج، بجانب ارتباطها بشكل مباشر بموضوعات التعليم والتدريب، وكذلك انعكاساتها على الحاجة لمراجعة الكثير من المفاهيم القانونية السائدة والمترسخة في عالمنا بغرض التأقلم مع التطور التكنولوجي ذي المعدلات السريعة من جهة، ومتطلبات واحتياجات المجتمعات البشرية وأعضائها من جهة أخرى، وذلك في القادم من الأيام. وهناك مجالان آخران يتعين على العرب الاستفادة من علاقاتهما مع اليابان بشأنهما والسعي لبناء شراكات استراتيجية مع اليابان، سواء على المستوى الحكومي أم القطاع الخاص أم المجتمع المدني، لتعزيز القدرات العربية عبرهما، وهو "التعليم" و"التدريب". وإذا بدأنا بالتعليم، نجد أنه في فترات سابقة نجحت جهود العديد من البلدان العربية للاستفادة مما يتيحه النظام التعليمي الياباني المتقدم من فرص للدراسة، خاصة في مجالات الدراسات العليا، وبشكل متزايد أخيراً في الدراسات الجامعية بعد إدخال اللغة الإنكليزية بشكل مكثف على المستوى الجامعي في العديد من الجامعات اليابانية. فبنهاية العقد الأول ومطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، كان مثلاً عدد الدارسين المصريين للدراسات العليا في الجامعات اليابانية، سواء بمنح دراسية من جهات عامة أم خاصة في مصر أو في اليابان أو على نفقتهم الخاصة، قد فاق 500 دارس، وفي التوقيت نفسه كان عدد الدارسين السعوديين في الدراسات العليا باليابان قد وصل إلى ما يقرب من 300 دارس، أيضاً عبر منح حكومية أو خاصة. وهناك حاجة لإحياء ومواصلة وتعزيز هذا التعاون، إضافة إلى مواصلة إقامة جامعات يابانية في الوطن العربي، مثل الجامعة المصرية اليابانية في برج العرب، وبناء شراكات بين جامعات يابانية وعربية مثل تلك الموجودة بين جامعات سعودية ويابانية. أما بخصوص التدريب، فإنه يختلف نوعياً عن التعليم، فهو متصل بالتأهيل أو إعادة التأهيل للدخول في سوق العمل، وكذلك يرتبط بالتدريب في مواقع العمل بغرض زيادة الكفاءة وبناء أو تحسين القدرات للعمالة، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاج والإنتاجية، ولكن كما هو الحال بالنسبة للتعليم، فإن التدريب يجري من قبل مؤسسات عامة وخاصة في اليابان، خاصة بعض المؤسسات الاقتصادية الخاصة الكبرى التي تكفل التدريب ليس فقط في اليابان، بل من خلال مشروعات عملاقة لها داخل حدود الوطن العربي، وكمكون هام من مكونات استثماراتها في بعض البلدان العربية. وقد حرصت فيما سبق على ضرب العديد من الأمثلة على مجالات بعينها متاحة للبلورة أو للتطوير في المرحلة القادمة في مسار العلاقات العربية اليابانية، كما حرصنا أن تكون هذه المجالات بعيدة عن المجالات المرئية للعين بسهولة أو التي تتصل مباشرة بالسياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، بل هي مجالات قد تبدو للوهلة الأولى فرعية أو ثانوية، إلا أنها في جوهرها تمثل في حقيقة الأمر ما يمكن أن نطلق عليه البنية التحتية الضرورية لضمان التقدم والتنمية المستدامة والبشرية في البلدان العربية على المدى المنظور، ولا شك أن المحطة الأولى في لقاءات المستقبل العربية اليابانية ستكون هي المشاركات العربية في أولمبياد طوكيو لعام 2020 تحت رعاية إمبراطور اليابان الجديد ناروهيتو، والتي ستعيد إلى الأذهان بلا جدال المشاركات المتميزة والمشرفة لعدد من البلدان العربية في أولمبياد طوكيو لعام 1964، وستسعى الفرق العربية المشاركة إلى إحياء هذه الذكريات بشكل إيجابي أمام الشعب الياباني، كمظهر من مظاهر القوة الناعمة الموجودة لدي الطرفين العربي والياباني. -كاتب مصري وليد محمود عبد الناصر


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة