جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
التلاعب بالتاريخ وتزييفه

يتغير التاريخ بتغير دارسه، ويختلف المؤرخون في جهودهم واستقامتهم، كما يتأثر حتى أفضلهم بعواطفه ومصالحه وخلفيته الاجتماعية، وعوامل أخرى مهما بلغت شدة محاولته أن يكون محايدا وموضوعيا. وهناك الذين يستخدمون التاريخ كسلعة لخدمة مصالحهم الشخصية، أو للنأي عن الخطر، وهم قد يكونون أغلبية من يتكلم عن التاريخ من المحترفين والهواة. ويتصاعد التلاعب عندما يتعلق الأمر بمصالح أحزاب سياسية أو حكومات. وهذه أمثلة من كثير الهند أشهر مثال في الوقت الحاضر هو الهند، حيث تجتاح ذلك البلد موجة متطرفة للقومية الهندوسية، على الرغم من أن الهندوسية دين وليست قومية، إلا أنهم اختلقوا قومية هندوسية، حيث إنهم حسب اعتقادهم، ينتمون إلى عرق واحد ينقسم إلى عدة مستويات، يتكون أدناها من طبقة المنبوذين، نظرا لكونهم هندوسا غير نقيين، أما أعلاها فيتكون من الهندوس النقيين، حسب أفكارهم. ونظرا لغياب حضارة هندوسية قديمة توازي الحضارة السومرية أو الفرعونية، فقد اعتمد القائمون على هذه الأيديولوجية على كتابات قديمة نوعا ما من الألف الأول قبل الميلاد، كانت قد كتبت بلغة إندوأوروبية. وتم تغيير كتب التاريخ في المدارس لمحو أي أثر غير هندوسي من التاريخ الهندي، لإعطاء الانطباع أن التاريخ الهندي هندوسي تماما وخال من التأثير الخارجي. وأخذ المتطرفون ينشرون قصصا خرافية عن طريق الادعاء بأن الهندوس القدماء استعملوا الطائرات، وقاموا بإجراء عمليات جراحية معقدة، وبرعوا في مجالات طبية بالغة التعقيد، وصولاً إلى أبحاث الخلايا الجذعية. ولدعم هذه الفكرة المتطرفة فقد زادت دعوات هدم وتدمير جميع الآثار غير الهندوسية في الهند، وهي كثيرة وتعد أهم الآثار في البلاد، ومنها تاج محل الذي بني في القرن السابع عشر ويعتبر المعلم السياحي الأبرز في الهند، وأشهر رموز ذلك البلد. أما أقدم حضارة في الهند فهي حضارة وادي الإندوس التي لا علاقة لها بالهندوسية، وظهرت في الألف الرابع قبل الميلاد، ولكنها لم تتكلم لغة هندوأوروبية كالهندوس الحاليين، وبذلك فإنها تتحدى معتقداتهم، وبالتالي فقد أصبحت هدفا للمتطرفين الداعين إلى هدمها أيضا. ولحسن الحظ لم يقم أحد بهدم تاج محل، أو أي من آثار حضارة وادي الإندوس حتى الآن، ولكنهم قاموا بهدم آثار أخرى من القرن السادس عشر. الصين الجانب الآخر من مظاهر التلفيق هو محاولة استغلاله للمصالح الشخصية، ولتحقيق أي منفعة مهما كان نوعها. والمثال هنا من الصين، وتبدأ قصتنا في القرن السابع عشر عندما عصفت الاضطرابات في الصين، وقام أحد قادة الجيش الصيني بطلب المساعدة من زعيم قبلي من شعب المانشو، الذي كان يسكن منطقة منشوريا الشمالية. وحالف النجاح ذلك الزعيم القبلي حيث احتل العاصمة الصينية عام 1644 ونصب نفسه امبراطورا. وبذلك حكمت الصين عائلة غير صينية، وكانت حدود الصين في زمن حكم تلك السلالة هي الحدود الحالية نفسها للبلد، ولم تكن هذه المرة الأولى. واستمر حكم هذه السلالة المانشوية حتى عام 1912 عندما أطيح بالنظام الامبراطوري بعد اضطرابات محلية وقيام انقلاب عسكري. ومع نهاية حكم العائلة الامبراطورية المانشوية بدأت حظوظ شعب المانشو بالانحسار، حيث أخذوا يتعرضون للمضايقات. ولذلك ادعى الكثير من المانشو أنهم صينيون ولا علاقة لهم بالمانشو، لحماية أنفسهم ومصالحهم، ما أدى إلى تناقص عددهم من الناحية الرسمية حتى بلغ مليونين ونصف المليون عام 1953. ومع الوقت اخذت الحكومة الصينية تغير سياستها حيالهم، وبدأت برعايتهم حتى خصصت ثلاث عشرة منطقة لهم تتمتع بحكم ذاتي، ما جعل كون المرء من المانشو يمتلك امتيازات اقتصادية ملموسة، فإذا بعدد الذين يدعون أنهم مانشو يزداد فجاة بشكل كبير، حتى من قبل الكثيرين الذين كانوا صينيين بسبب رعاية الحكومة الصينية لهم. وتعتبر المانشو أسرع أقلية نموا في الصين حاليا، حيث بلغ عددهم عام 1990 حوالي عشرة ملايين تقريبا بعد إن كان حوالي أربعة ملايين عام 1982. . أوروبا والأوروبيون لا يختلفون عن الآخرين في تلفيق التاريخ، فبعد زيادة ظهور الفايكنغ في الإعلام في السنوات الأخيرة، ونجاح أفلام سينمائية تناولت شخصيات مأخوذة من الاعتقادات القديمة للفايكنغ مثل «ثور» (Thor) و»المنتقمون» (The Avengers)، فقد أعجب بعض البريطانيين بالفايكنغ، وأخذوا يحاولون إثبات أن أصولهم من هؤلاء، ووصل الأمر إلى قيام البعض منهم بفحص الحمض النووي (DNA) لإثبات نسبه. والغريب في الأمر أن الفايكنغ لم يُعرَفوا في التاريخ سوى كلصوص وقطاع طرق، وكانوا أشهر تجار للعبيد والجواري حتى أسسوا أكبر مركز في العالم لتلك التجارة في مدينة كييف الأوكرانية. ولا توجد في الوقت الحاضر أي امتيازات اجتماعية أو اقتصادية في كون المرء ذا علاقة بالفايكنغ، إلا أن الإعلام يخلق معتقدات غريبة وبسهولة بالغة، طالما يهتم الإعلام بالفايكنغ وحقق لهم شهرة واسعة، فهناك من يريد أن يكون مميزا عن طريق اختلاق علاقة بهم. أمريكا والولايات المتحدة لم تكن استثناء عن هذه الظاهرة، فهناك الذين يتفاخرون بأن أصولهم تعود إلى الذين أتوا إلى أمريكا الشمالية على متن سفينة تدعى «مَيفلاور» كانت قد قدمت من إنكلترا ووصلت الساحل الأمريكي الشمالي عام 1620. وأصبح هؤلاء نوعا من الطبقة الارستقراطية في البلد، والكثير من مشاهير الممثلين والسياسيين يفخرون بذلك الأصل، ومنهم كلنت إيستوود وريتشارد غير ومارلين مونرو. ويعتقد أن عدد الذين يدعون أن لهم علاقة قرابة بمسافري تلك السفينة بخمسة وثلاثين مليون شخص، مع العلم أن تلك السفينة حملت مئة واثنين من الركاب فقط. وقد ظهرت فكرة جديدة في الولايات المتحدة حديثا وهي، الذين يدعون بأنهم من أصول تعود إلى سكان البلاد الأصليين، أي الهنود الحمر، ومنهم السياسية الشهيرة والمرشحة الرئاسية اليزابيث وورن، التي قامت بفحص الحمض النووي لإثبات نسبها، على الرغم من أن هذه الفحوصات غير دقيقة وهناك الكثيرون من ناقديها. ويرفض من تبقى من الهنود الحمر الاعتراف بهؤلاء المدعين الجدد، الذين بدورهم لا يعرفون شيئا عن ثقافة الهنود الحمر ولا يختلطون بهم ولا يأبهون بمشاكلهم. الشرق الأوسط أما في الشرق الأوسط فقد أصبحت ظاهرة استعمال التاريخ المبهم لدعم المصالح السياسية والشخصية ظاهرة تثير السخرية، حيث نجد ظاهرة «السادة» المتزايدة بشكل مطرد، حتى أخذت قبائل باكملها تدعي أنها من «السادة». وكان الملك المصري الراحل فاروق (1920 – 1965) قد ادعى أنه من «السادة» أيضا بشهادة شيخ الأزهر انذاك، على الرغم من أن عائلته كانت قد قدمت إلى مصر آتية من ألبانيا، ولا تمت للعرب بصلة ويعرف الجميع ذلك. والغريب في الأمر أن ادعاء الملك فاروق لم يثر سخرية النقاد. ولم تتوقف الظاهرة، بل قام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بالادعاء نفسه مثيرا سخرية صامتة بين العراقيين. ومؤخرا ادعى البعض أن ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية من «السادة»، وقد دعم هذا الادعاء مفتي مصر السابق علي جمعة ومؤسسة بريطانية مختصة بتاريخ العائلة المالكة البريطانية. وهذا يجعل ملكة بريطانيا ابنة عم الخميني (قائد الثـــورة الإسلامية في إيران) وعلي خامنئي (المرشد الأعلى في إيران) وصدام حسين (الرئيس العراقي السابق) وفاروق (ملك مصر الأسبق) ومحمد السادس (ملك المغرب) وكثيرين آخرين. وقام بعض الناشطين الأكراد بكتابة تاريخ لا يمكن دعمه في أي شكل علمي لإظهار دور مبالغ فيه في التاريخ عن طريق ادعاء الهوية الكردية لبعض المشاهير في الشرق الأوسط مثل الشاعر معروف الرصافي والممثلين رشدي أباظة وسعاد حسني ونجاة الصغيرة ونجيب الريحاني ومنى واصف والملك المصري فاروق وأمير الشعراء أحمد شوقي وقارئ القرآن المصري عبدالباسط عبدالصمد والسياسيين العراقيين نوري السعيد وجعفر العسكري وآخرين. ولكن هذا لم يقتصر على بعض الشخصيات الشهيرة، بل تجاوز ذلك ليقول إن أولى الحضارات في العالم كانت كردية وهي الحضارة السومرية. ولا يذكر هؤلاء الناشطون الأكراد أن بعض معارضي الرئيس العراقي صدام حسين، في سبعينات القرن الماضي، كانوا يقولون إنه كردي الأصل عندما كان في السلطة.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة