العرب و"إسرائيل" والحليف التركي


المبادرات التركية الإيجابية المتلاحقة نحو العالم العربي والإسلامي التي ازدادت كثافة بشكل يكاد يكون متزامناً مع تردي العلاقات التركية - "الإسرائيلية" خاصة في أعقاب الحرب "الإسرائيلية" الإجرامية ضد قطاع غزة أوائل هذا العام أربكت المراقبين،
وخاصة العرب منهم الذين كشفوا، صراحة أو ضمنياً، عن رغبات حقيقية في عودة تركية قوية يمكن أن تجعل منها موازناً إقليمياً لصالح العرب بين كل من القوتين المتنافستين في المنطقة "إسرائيل" وإيران .
لكن العائق الأساسي نحو الدفع بهذه المشاعر كان صعوبة التعرف بجدية على أنماط العلاقات التركية - "الإسرائيلية" أولاً، والعلاقات التركية - الأوروبية ثانياً، ومدى تأثيرها في جدية التوجه التركي نحو العالمين العربي والإسلامي، لكن الملاحظة المهمة هنا أن معظم هؤلاء المراقبين لم يعط أهمية كبيرة للبحث في العلاقات التركية - الإيرانية، إما أملاً في أن تكون تركيا قوة وسيطة قادرة على حل الكثير من الخلافات المثارة بين دول عربية وإيران طموحاً في تحقيق تحالف المثلث الحضاري العربي - التركي - الإيراني، وإما ثقة في أن أي تقارب تركي - إيراني لن يكون بحال على حساب العرب .
لغز تركيا ودورها الإقليمي تفاقم مع العديد من المبادرات التركية الإيجابية نحو فلسطين وسوريا والعراق وإيران بالاتجاه إلى تأسيس اتفاقات شراكة استراتيجية مع العراق ثم مع سوريا ثم عدم ممانعة لتأسيس شراكة استراتيجية رباعية بين تركيا وسوريا والعراق وإيران بمبادرة من الرئيس السوري بشار الأسد، ثم مناورة عسكرية مع سوريا وفتح للحدود، ومبادرة مع أكراد العراق تمهيداً لحل المشكلة الكردية - التركية، ومع العديد من المبادرات التركية السلبية نحو "إسرائيل" ابتداء من مواجهة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس "الإسرائيلي" في دافوس وامتدت إلى إلغاء مشاركة "إسرائيل" في مناورات جوية تركية سنوية مهمة مع حلف شمال الأطلسي تعرف باسم "نسر الأناضول" وقبلها تعليق الوساطة التركية في المفاوضات غير المباشرة بين "إسرائيل" وتركيا، لكن هذا اللغز تفاقم أكبر بعد أن أقدم وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو على امتلاك الشجاعة الكافية، بعد تمنع طويل، لوصف الفريق الحاكم في أنقرة باسم "العثمانيين الجدد" بكل ما يحمله المسمى أو التوصيف من دلالات وإسقاطات تاريخية وثقافية تعطى لتركيا ودورها أوزاناً أخرى وتوجهات أخرى في علاقاتها مع الكيان الصهيوني والعالم الغربي .
أوغلو قال أمام لقاء مع نواب حزبه (العدالة والتنمية) في معسكر "قيزلجه حمام" بالعاصمة أنقرة "إنهم يقولون عنا إننا العثمانيون الجدد . . نعم نحن العثمانيون الجدد"، وزاد على ذلك بالقول: "إن لدينا ميراثاً آل إلينا من الدولة العثمانية . . إنهم يقولون عنا إننا العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا، نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال إفريقيا" . ويبدو أن أكثر من كان يقصدهم في عبارته "إنهم يقولون" هو الغرب الذي أبدى قلقه في الشهور الأخيرة من الانفتاح التركي على العالم الإسلامي وإفريقيا .
وفي لهجة يشوبها التحدي قال أوغلو: "لقد أعطيت أوامرى إلى الخارجية التركية بأن يجد ساركوزي (الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي) كلما رفع رأسه في إفريقيا سفارة تركية عليها العلم التركي، وأكدت أن تكون سفاراتنا في أحسن المواقع داخل الدول الإفريفية" .
وكان دعمه تمثل بخروج طلاب جامعة كاردينيزتيكنك بمدينة طرابزون التركية في مظاهرة حاشدة ضد زيارة كان يعتزم السفير "الإسرائيلي" في أنقرة جابي ليفي القيام بها لجامعتهم، الطلاب رشقوا سيارته بالبيض والحجارة، وهم يهتفون: "إسرائيل قاتلة" ما اضطر السفير إلى إلغاء تلك الزيارة . وكان السفير ذاته قد تعرض لانتقادات حادة من عمدة مدينة ريز المطلة على البحر الأسود عند زيارته لها حيث خاطبه عمدة المدينة هليل باكيرثي بقوله إنه يدين سياسة التوسع والاحتلال التي تنتهجها "إسرائيل" وأن "الدفاع عن النفس يجب ألا يشمل قتل الأطفال" .
الانطباع المباشر لكل هذه التطورات الحديثة المتلاحقة في التوجهات الاستراتيجية للسياسة الخارجية التركية كان مفاده أن تركيا العثمانية عائدة بثوب جديد أكثر مناسبة لواقع عالم اليوم، وأنها تتجه إلى التحالف مع العرب والمسلمين على حساب علاقاتها التقليدية السابقة مع الغرب والكيان الصهيوني، لكن هذا الانطباع لم يدم طويلاً بعد أن فوجئ الجميع بزيارة وزير التجارة والصناعة والعمل بنيامين بن اليعازر لأنقرة واستقباله بحفاوة من جانب وزير الدفاع التركي وجدي جونول ولقائه بالرئيس التركي عبدالله غول .
حفاوة الوزير التركي في استقباله لبن اليعازر جاءت خلال الاجتماع الرابع للجنة التركية - "الإسرائيلية" الاقتصادية المشتركة (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2009) . فقد أعرب وجدي جونول عن أمله في أن تؤدي القرارات التي ستتخذ خلال زيارة الوفد "الإسرائيلي" إلى تحقيق مساهمات كبيرة في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين التي كانت قد وصلت إلى 3،3 مليار دولار، ولكنها انخفضت بنسبة 31% لتبلغ 1،9 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام (الذي شهد توتر العلاقات بعد حرب "إسرائيل" على قطاع غزة" . الوزير التركي حرص على أن يقول إن التعاون التجاري بين البلدين ليس كافياً في المجال الدفاعي واقترح أن يتم تعزيز الأنشطة التجارية للشركات الدفاعية التركية في "إسرائيل"، كما اعتبر أن اتفاقيات التجارة الحرة بين "إسرائيل" وتركيا غير كافية لتعزيز العلاقات التجارية الثنائية، واقترح القيام بالمزيد من الأنشطة التجارية والمشاريع الجديدة .




ربما يعتبر البعض هذا التطور في العلاقات التركية - "الإسرائيلية" تحولا صادماً، من منظور التقديرات العربية، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار قول الوزير "الإسرائيلي" بنيامين بن اليعازر أن "هناك مستقبلاً للعلاقات بين البلدين في المجالين الاقتصادي والسياسي، واعتباره أن بلاده وتركيا تتشاركان القيم الديمقراطية ذاتها (في اسقاط مقصود ومفهوم على حال العالم العربي كحليف غير جدير بتركيا) .
ارة بن اليعازر لتركيا لم تأت من فراغ، ولكن "إسرائيل" لم تستلم للتعثر الطارئ في العلاقات بين البلدين وثابرت على مواصلة الاتصالات المباشرة وغير المباشرة ولم تربط بين تحسين العلاقات مجدداً وضرورة مراجعة تركيا لعلاقاتها مع العرب والمسلمين خاصة إيران وسوريا فحول إمكانية استئناف تركيا دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين "إسرائيل" وسوريا قال بن اليعازر: "لا بزعجنا أن تقيم تركيا علاقات مع إيران وسوريا بالرغم من نزاعنا مع هاتين الدولتين"، وتابع "اعتقد أن تركيا أيضاً تريد استعادة مناخ الثقة الذي طبع علاقاتنا" . وسبق نتنياهو بن اليعازر في عدم استبعاد عودة تركيا للتوسط بين "إسرائيل" وسوريا، رغم تحفظات وزير الخارجية "الإسرائيلي" أفيغدور ليبرمان على ذلك بسبب ما اعتبره إهانات تركية "لإسرائيل" ورئيسها .
وهذا هو الفارق بين العرب و"إسرائيل" في فهم حقيقة العلاقات الدولية وكيفية إدارتها . فالعرب الذين لم يفعلوا شيئاً كي تتحول تركيا نحوهم يحزنون إذا تولت عنهم أو تحولت باتجاه عدوهم، في حين أن "إسرائيل" هي التي فعلت كل شيء لكسب تركيا وفعلت كل شيء لاستعادة تركيا .

دار الخليج



المصدر:
http://www.chinaasia-rc.org/index.php?d=42&id=582

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc